عبد الرحمن السهيلي
6
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
أي : كما كانوا ، فقول الله عز وجل إذاً : « فاصْدَع بما تُؤْمَرُ » إما أن يكون معناه : بالذي تؤمر به من التبليغ ونحوه ، وإما أن يكون معناه : اصدع بالأمر الذي تؤمره ، كما تقول : عجبت من الضرب الذي تضربه ، فتكون ما ههنا عبارة عن الأمر الذي هو أمر الله تعالى ، ولا يكون للباء فيه دخول ، ولا تقدير ، وعلى الوجه الأول تكون ما مع صلتها عبارة عما هو فعل للنبي صلى الله عليه وسلم والأظهر أنها مع صلتها عبارة عن الأمر الذي هو قول الله ووحيه ، بدليل حذف الهاء الراجعة إلى : ما ، وإن كانت بمعنى الذي في الوجهين جميعاً ، إلا أنك إذا أردت معنى الأمر لم تحذف إلا الهاء وحدها ، وإذا أردت معنى المأمور به ، حذفت باءً وهاءً ، فحذف واحد أيسر من حذفين مع أن صدعه وبيانه إذا علقته بأمر الله ووحيه ، كان حقيقة ، وإذا علقته بالفعل الذي أمر به كان مجازاً ، وإذا صرحت بلفظ الذي ، لم يكن حذفها بذلك الحسن ، وتأمله في القرآن تجده كذلك نحو قوله تعالى : « وأعلم ما تُبدون وما كنتم تَكتمون » البقرة « ويعلم ما تسرّون وما تعلنون » التغابن . و « لما خلقْتُ بيَديَّ » ص . و « لا أعْبُدُ ما تعبدون » الكافرون . ولم يقل : خلقته ، وحذف الهاء في ذلك كله ، وقال في الذي : « الذين آتيناهم الكِتاب » البقرة و « الذي جعلناه للناس سواء » الحج وما أشبه ذلك ، وإنما كان الحذف مع ما أحسن لما قدمناه من إبهامها ، فالذي فيها من الإبهام قربها من ما التي هي شرط لفظاً ومعنى ، ألا ترى أن ما إذا كانت شرطاً تقول فيها : ما تصنع أصنع مثله ، ولا تقول : ما تصنعه ؛ لأن الفعل قد عمل فيها ، فلما ضارعتها هذه التي هي موصولة ، وهي بمعنى الذي أجريت في حذف الهاء مجراها في أكثر الكلام ، وهذه تفرقة في عود الضمير على ما ، وعلى الذي يشهد لها التنزيل ، والقياس الذي ذكرناه من الإبهام ، ومع هذا لم نر أحداً نبه على هذه التفرقة ، ولا أشار إليها ، وقارئ القرآن محتاج إلى هذه التفرقة . وقد يحسن حذف الضمير العائد على الذي ؛ لأنه أوجز ، ولكنه ليس كحسنه مع من وما ، ففي التنزيل : « والنور الذي أنزلنا » التغابن فإن كان الفعل متعدياً إلى اثنين كان إبراز الضمير أحسن من حذفه ، لئلا يتوهم أن الفعل واقع إلى المفعول الواحد ، وأنه مقتصر عليه ، كقوله تعالى : « والمسجِدِ الْحَرامِ الذي جعلناه للناس سَواء » الحج و « الذين آتيناهم الكتاب » البقرة . وشرح ابن هشام معنى قوله : اصدع شرحاً صحيحاً ، وتتمته أنه صدع على جهة البيان ، وتشبيه لظلمة الشك والجهل بظلمة الليل . والقرآن نور ، فصدع به تلك الظلمة ، ومنه سمي الفجر : صديعاً ، لأنه يصدع ظلمة الليل ، وقال الشماخ : ترى السّرحان مفترشاً يديه * كأن بياض لبّته صديع على هذا تأوله أكثر أهل المعاني ، وقال قاسم بن ثابت : الصديع في هذا البيت : ثوب أسود تلبسه النواحة تحته ثوب أبيض ، وتصدع الأسود عند صدرها فيبدو الأبيض ، وأنشد : كأنهن إذ وردن ليعا * نوّاحةٌ مجتابةٌ صديعا